ابو القاسم عبد الكريم القشيري

272

الرسالة القشيرية

فوكل اللّه تعالى به ملكا ، وقال : إن أكله فارزقه ، وإن لم يأكله فلا تعطه غيره . فلم يزل القرص معه حتى مات ، ولم يأكل ، وبقي عنده القرص . وقيل : من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما تزف العروس إلى أهلها ، والفرق بين التضييع والتفويض : أن التضييع في حق اللّه تعالى ، وذلك مذموم ، والتفويض في حقك ، وهو محمود . وقال عبد اللّه بن المبارك : من أخذ فلسأ من حرام ، فليس بمتوكل . سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول : سمعت عليا بن محمد المصري يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : دخلت البادية مرة بغير زاد ، فأصابتنى فاقة ، فرأيت المرحلة « 1 » من بعيد ، فسررت بأنى وصلت . . ثم فكرت في نفسي : أنى سكنت واتكلت على غيره ، فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها . . فحفرت لنفسي في الرمل حفرة . وداريت جسدي فيها إلى صدري ، فسمعوا صوتا في نصف الليل عاليا ، يقول : يا أهل المرحلة ، إن للّه تعالى وليا ، حبس نفسه في هذا الرمل ، فألحقوه . فجاءنى جماعة فأخرجونى وحملونى إلى القربة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول : سمعت ابن المالكي يقول : قال أبو حمزة الخراساني : حججت سنة من السنين ، فبينما أنا أمشى في الطريق ، إذ وقعت في بئر ، فنازعتنى نفسي أن أستغيث ، فقلت : لا واللّه ، لا أستغيث . . فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان . . فقال أحدهما للآخر : تعالى حتى نسد رأس هذه البئر ، لئلا يقع فيها أحد . . فأتوا : بقصب وبارية « 2 » ، وطموا « 3 » رأس البئر ، فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي : أصيح « 4 » إلى من هو أقرب منهما . . وسكنت . فبينما أنا بعد ساعة ، إذ أنا بشئ جاء . . وكشف عن رأس البئر ، وأدلى رجله ، وكأنه يقول لي : تعلق بي ، في همهمة « 5 » له كنت أعرف ذلك منه ، فتعلقت به . .

--> ( 1 ) أي نهاية المرحلة أي القرية . ( 2 ) بارية حصير خشن . ( 3 ) طم البئر بالتراب أي : ملأها حتى أستوت مع الأرض . ( 4 ) وفي نسخة أشكو . ( 5 ) وفي نسخة بهمهمة .